محمد بن جرير الطبري

156

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاسق عادا ما كنت مسقيه قال : فرفعت له سحابات ؛ قال : فنودي منها : اختر قال : فجعل يقول : اذهبي إلى بني فلان ، اذهبي إلى بني فلان . قال : فمرت آخرها سحابة سوداء ، فقال : اذهبي إلى عاد . فنودي منها : خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا . قال : وكلمهم ، والقوم عند بكر بن معاوية يشربون ، قال : وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده وأنهم في طعامه . قال : فأخذ في الغناء وذكرهم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، قال : ثنا سلام أبو المنذر النحوي ، قال : ثنا عاصم ، عن أبي وائل ، عن الحارث بن يزيد البكري ، قال : خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررت بالربذة ، فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم ، فقالت : يا عبد الله ، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة ، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها فقدمت المدينة . قال : فإذا رايات ، قلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها ، قال : فجلست حتى فرغ . قال : فدخل منزله أو قال : رحله فاستأذنت عليه ، فأذن لي فدخلت ، فقعدت ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل كان بينكم وبين تميم شيء ؟ " قلت : نعم ، وكانت لنا الدائرة عليهم ، وقد مررت بالربذة فإذا عجوز منهم منقطع بها ، فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب . فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت فقلت : يا رسول الله اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزا فحميت العجوز واستوفزت وقالت : إلى أين يضطر مضطرك يا رسول الله ؟ قال : قلت : أنا كما قال الأول : معزى حملت حتفها ، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما ، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عادا قال : " وما وافد عاد ؟ " قال : على الخبير سقطت ، قال : وهو يستطعمني الحديث ، قلت : إن عادا قحطوا فبعثوا قيلا وافدا ، فنزل على بكر ، فسقاه الخمر شهرا ، وغنته جاريتان يقال لهما الجرادتان ، فخرج إلى جبال مهرة ، فنادى : إني لم أجيء لمريض فأداويه ، ولا لأسير فأفاديه ، اللهم اسق عادا ما كنت مسقيه فمرت به سحابات سود ، فنودي منها : خذها رمادا رمددا ، لا تبق من عاد أحدا . قال : فكانت المرأة تقول : لا تكن كوافد عاد ؛ ففيما بلغني أنه ما أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلا قدر ما يجري في خاتمي . قال أبو وائل : فكذلك بلغني . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إن عادا أتاهم هود ، فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن . فكذبوه وكفروا ، وسألوه أن يأتيهم بالعذاب ، فقال لهم : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وإن عادا أصابهم حين كفروا قحوط المطر ، حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا ، وذلك أن هودا دعا عليهم ، فبعث الله عليهم الريح العقيم ، وهي الريح التي لا تلقح الشجر ؛ فلما نظروا إليها قالوا : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض ؛ فلما رأوها تنادوا : البيوت فلما دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها ، ثم أخرجتهم من البيوت ، فأصابتهم في يوم نحس ، والنحس : هو الشؤم ، ومستمر : استمر عليهم العذاب سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، حسمت كل شيء مرت به . فلما أخرجتهم من البيوت ، قال الله : تَنْزِعُ النَّاسَ من البيوت ، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ انقعر من أصوله ، خاوية : خوت فسقطت . فلما أهلكهم الله ، أرسل إليهم طيرا سودا ، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه ، فذلك قوله : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم ، فلم يعلموا كم كان مكيالها ؛ وذلك قوله : فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ والصرصر : ذات الصوت الشديد القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ